جامعة أم درمان الإسلامية. تجربة تستحق الاقتداء ورسالة تتجاوز حدود الجامعة
البروفيسور بله احمد بلال جامعة السودان المفتوحة

مناشدة إلى مديري الجامعات السودانية عموما” وإلى مدير جامعة السودان المفتوحة ووكيلها ورئيس الهيئة النقابية بصفة خاصة
في الوقت الذي نتابع فيه باهتمام وتقدير ما تقوم به إدارة جامعة أم درمان الإسلامية من خطوات عملية لتخفيف معاناة العاملين وتحسين بيئة العمل والارتقاء بالخدمات المقدمة لمنسوبيها. فإن هذه التجربة تستحق التوقف عندها والإشادة بها والاستفادة من دروسها. كما تستحق أن تكون موضع نظر من إدارات الجامعات السودانية التي تواجه ظروفا” استثنائية وتحديات فرضتها الحرب والواقع الاقتصادي الصعب.
لقد شهدت جامعة أم درمان الإسلامية خلال هذه المرحلة جملة من المبادرات التي تمس حياة العاملين والطلاب بصورة مباشرة. فقد دشّن البروفيسور طارق حسن ابن عوف مدير الجامعة بالإنابة ورئيس اللجنة العليا لقضايا العاملين باصات ترحيل العاملين بعدد ثمانية باصات كمرحلة أولى. كما افتتح مجمع خدمات العاملين بالمول في المدينة الجامعية بالفتيحاب ومركز الطالبات بالثورة.
وامتدت جهود الجامعة إلى مجالات أخرى ذات صلة بالبيئة الجامعية والنشاط الطلابي والمؤسسي. حيث تمت إعادة تأهيل الميدان الرئيسي لكرة القدم وصالة الألعاب الرياضية. كما تم تدشين الأنشطة اللاصفية. إلى جانب افتتاح مباني إدارة الحرس الجامعي ودائرة التأمين الذاتي بصورتها الحديثة. والوقوف على أعمال الصيانة بكلية الإعلام.
وقد تبدو هذه المشروعات في ظاهرها خدمات ومبادرات متفرقة. لكنها في جوهرها تحمل رسالة مؤسسية واضحة. وهي أن خدمة العاملين والطلاب ليست شعارا” يرفع. وإنما مسؤولية تتحول إلى قرارات ومشروعات وخدمات ملموسة. وأن الجامعة تستطيع حتى في أحلك الظروف أن تبحث عن الحلول. وأن تجعل من الإمكانات المتاحة نقطة انطلاق نحو التعافي والبناء.
وهنا تكمن القيمة الحقيقية لهذه التجربة. فهي لا تتعلق فقط بما تم إنجازه من مشروعات. وإنما تتعلق بفلسفة الإدارة في التعامل مع الظروف الاستثنائية. فحين تواجه المؤسسة تحديات الحرب والدمار والضغوط الاقتصادية. فإن قدرتها على ترتيب الأولويات. والبحث عن الممكن. وتحويل الموارد المحدودة إلى خدمات يشعر بها العاملون والطلاب. تمثل في حد ذاتها شكلا” من أشكال القيادة المؤسسية المسؤولة.
والأكثر أهمية أن تجربة جامعة أم درمان الإسلامية تحمل رسالة تتجاوز حدود الجامعة إلى مؤسسات التعليم العالي في السودان وإلى المجتمع الدولي. ومفادها أن الحرب لم تستطع أن تنال من إرادة الجامعة أو تعطل رسالتها. بل زادتها إيمانا” بدورها الوطني. وعزيمة” على الصمود. وإصرارا” على مواصلة مسيرة العلم والعمل والبناء.
لقد أثبتت الجامعة أن الدفاع عن الوطن وبناء السلام وإعادة الإعمار ليست مسارات متناقضة. وإنما أدوار تتكامل في مشروع وطني واحد. يد تحمي الوطن وتصون أمنه وكرامته. ويد تحمل القلم لتبني السلام. وتحفظ المعرفة. وتعيد الإعمار. وتصنع المستقبل.
وهذه في تقديري هي الرسالة الأعمق التي تقدمها الجامعة اليوم. فالحرب لم تكسر إرادتها. والدمار لم يطفئ جذوة العمل فيها. بل تحولت المحنة إلى دافع للنهوض. وتحول التحدي إلى فرصة لإعادة البناء. وتحولت المسؤولية الوطنية إلى عمل مؤسسي ملموس.
ومن باب الوفاء والتقدير. يسعدني بصفة خاصة أن أشيد بهذه التجربة بقيادة البروفيسور طارق حسن ابن عوف مدير الجامعة بالإنابة. والبروفيسور محجوب عبدالله حامد وكيل الجامعة. فهما زميلا دراسة وأبناء جامعة واحدة جمعتنا مقاعدها وقيمها ورسالتها.
ولذلك فإن ما نشهده اليوم من مبادرات عملية في خدمة العاملين والطلاب يبعث في النفس مشاعر الاعتزاز والفخر. وإشادتي بهذه التجربة ليست مجاملة عابرة. وإنما هي شهادة حق ووفاء لزميلين جمعنا بهما زمن التحصيل الأكاديمي. وذكريات الجامعة. وقيمها. ورسالتها.
إن الجامعات التي جمعتنا بالأمس على مقاعد الدراسة. تجمعنا اليوم على مسؤولية النهوض بها وخدمة منسوبيها. وما يقوم به الزميلان اليوم من جهود في خدمة جامعة أم درمان الإسلامية ومنسوبيها يستحق التقدير والتشجيع. كما يستحق أن يكون مصدر إلهام لبقية مؤسسات التعليم العالي في السودان.
ومن هنا أتوجه بمناشدة صادقة إلى مديري الجامعات السودانية بصفة عامة. وإلى السيد مدير جامعة السودان المفتوحة. والسيد وكيل الجامعة. والسيد رئيس الهيئة النقابية بصفة خاصة. بأن ينظروا إلى تجربة جامعة أم درمان الإسلامية بعين الاهتمام وأن يستفيدوا من روحها وفلسفتها في تخفيف معاناة منسوبي مؤسساتهم. كل بحسب ظروفه وإمكاناته.
إن العاملين في جامعة السودان المفتوحة تحملوا خلال السنوات الماضية ظروفا” استثنائية وتحديات بالغة الصعوبة. وظلوا على قدر كبير من الصبر والالتزام والوفاء للمؤسسة وجعلها في مقدمة الجامعات. ولذلك فإن تحسين أوضاعهم وتخفيف الأعباء عن كاهلهم يمثلان استثمارا” حقيقيا” في الإنسان. ويعززان روح الانتماء والاستقرار والإنتاجية. ويدعمان قدرة الجامعة على استعادة عافيتها ودورها.
ونأمل أن تشمل المبادرات الممكنة مجالات الترحيل. والخدمات الاجتماعية. والمساعدات العينية. والرعاية الصحية. وتحسين بيئة العمل. وغيرها من المبادرات التي يمكن تنفيذها وفق الإمكانات المتاحة. وبالتنسيق مع الجهات ذات الصلة.
كما نأمل من *الهيئة النقابية أن تضطلع بدورها في طرح المبادرات الواقعية. والتواصل البناء مع إدارة الجامعة. والعمل على إيجاد حلول عملية لقضايا العاملين بروح التعاون والمسؤولية. فالمطلوب اليوم ليس تبادل اللوم. وإنما تكامل الأدوار. وتوحيد الجهود. والوصول إلى نتائج ملموسة يشعر العاملون بثمارها في حياتهم اليومية.*
إن الاقتداء بتجربة جامعة أم درمان الإسلامية لا يعني بالضرورة نقل التجربة كما هي. *فلكل جامعة ظروفها ومواردها وأولوياته* . وإنما يعني الاستفادة من فلسفتها في وضع الإنسان في مقدمة الأولويات. وتحويل الاهتمام بالعاملين والطلاب إلى برامج ومشروعات وخدمات يشعرون بثمارها.
فالعامل الذي يجد من مؤسسته التقدير والرعاية يكون أكثر قدرة على العطاء. والجامعة التي تحفظ كرامة منسوبيها وتخفف عنهم أعباء الحياة تكون أقدر على النهوض برسالتها. والمؤسسة التي تستثمر في الإنسان تستطيع أن تستعيد عافيتها حتى بعد أقسى الأزمات.
وفي مرحلة التعافي الوطني. نحن بحاجة إلى جامعات لا تستسلم للواقع. بل تصنع من الواقع فرصة جديدة للنهوض. جامعات تعيد بناء منشآتها. وتستعيد أنشطتها. وتحفظ ذاكرتها العلمية. وتطور خدماتها. وتهتم بالعاملين والطلاب. وتضع العلم والمعرفة في قلب مشروع إعادة بناء السودان.
لقد أثبتت تجربة جامعة أم درمان الإسلامية أن الحرب يمكن أن تهدم المباني. لكنها لا تستطيع هدم الإرادة. وأن الدمار يمكن أن يكون بداية لإعادة البناء. وأن المؤسسة التي تؤمن برسالتها تستطيع أن تحول المحنة إلى طاقة للعمل. وأن القلم سيظل واحداً من أقوى أدوات صناعة المستقبل.
ومن هنا يظل السؤال مفتوحاً أمام إدارات الجامعات السودانية. هل نستطيع أن نجعل من هذه التجربة مصدر إلهام. وأن نبحث في واقع مؤسساتنا عن الممكن والمتاح. وأن نضع الإنسان في مقدمة أولويات التعافي. وأن نحول المسؤولية تجاه العاملين والطلاب من مجرد أمنيات إلى برامج وخدمات ومبادرات ملموسة.
وهل نرى في جامعة السودان المفتوحة تجربة مماثلة. تضع العامل والطالب في مقدمة أولويات التعافي. وتخفف عن منسوبيها أعباء الحياة. وتعيد للجامعة مكانتها ودورها ورسالتها. وتفتح أمامها طريقاً جديداً نحو استعادة دورها الريادي في التعليم المفتوح وخدمة المجتمع.
التحية لجامعة أم درمان الإسلامية. والتحية لقيادتها ومنسوبيها. والتحية لكل جامعة سودانية تقاوم آثار الحرب بالعلم والعمل والبناء. والتحية لكل أستاذ وعامل وطالب يتمسك برسالة الجامعة في أصعب الظروف.
والرسالة واضحة. يد تحمي الوطن. ويد تحمل القلم. والغاية واحدة. وطن آمن. وجامعة متعافية. وإنسان سوداني كريم. ومستقبل تصنعه المعرفة والسلام وإعادة الإعمار.


